مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

282

تفسير مقتنيات الدرر

* ( فَسْئَلِ الَّذِينَ ) * ، إلخ ] قضيّة شرطيّة والقضيّة الشرطيّة لا إشعار فيها البتّة بأنّ الشرط وقع أو لم يقع ، وكذلك لا إشعار فيها بأنّ الجزاء وقع أو لم يقع بل ليس فيها إلَّا بيان أنّ ماهيّة ذلك الشرط مستلزمة لماهيّة ذلك الجزاء فقط ، مثلا إنّك إذا قلت : إن كانت الخمسة زوجا كانت منقسمة بمتساويين فهذا الكلام حقّ لكن لا يدلّ على أنّ الخمسة زوج ولا يدلّ على أنّها منقسمة بمتساويين فكذا هاهنا الآية تدلّ على أنّه لو حصل هذا الشكّ لكان الواجب فيه السؤال عن أهل الكتاب ، وأمّا وقع الشكّ أو لم يقع فلا دلالة عليه . فالفائدة في إنزال هذه الآية على الرسول تسكين قلوب المتوقّفين في نبوّته وتقوية لخاطرهم وطمأنينة النفس لهم بتكثير الدلائل وتقريبهم إلى الإيمان بالرسول لأنّهم طالبوه مرّة بعد أخرى بما يدلّ على نبوّته . قال أبو عبد اللَّه عليه السّلام : إنّ النبيّ صلى اللَّه عليه وآله لم يشكّ ولم يسأل . والخطاب لرسول اللَّه وإن لم يشكّ لكنّ الكلام خرج مخرج التقرير والإفهام للناس ، كما يقول القائل لعبده : إن كنت عبدي فأطعني أو يقول لأبيه : إن كنت والدي فتعطَّف عليّ . وربّما خرجوا في مبالغة الكلام إلى ما يستحيل كقولهم : بكت السماء لموت فلان أي لو كان سماء تبكي على ميّت لبكت عليه . قوله تعالى : * ( [ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ ] ) * يعني بالحقّ القرآن والإسلام . ورأيت في تفسير أبي السعود العلَّامة في الآية أنّه قال : وإن كنت أيّها السامع في شكّ ممّا أنزلنا إليك على لسان نبيّنا فاسأل الَّذين يقرؤن الكتاب فلا تكوننّ من الممترين الشاكّين . قوله تعالى : * ( [ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّه ِ ] ) * واعلم أنّ فرق المكلَّفين ثلاثة مصدّقة ومتوقّفة ومكذّبة ، ولا شكّ أنّ الفرقة المتوقّفة الشاكّة أمرهم أسهل من أمر المكذّبة فبيّن تعالى أنّهم من الخاسرين . قوله تعالى : * ( [ إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ ] ) * أي إنّ الَّذين أخبر اللَّه عنهم أنّهم لا يؤمنون ، فنفى الإيمان عنهم ولم ينف القدرة عنهم فإنّ نفي الفعل لا يكون نفيا للقدرة كما أنّ اللَّه نفى عن نفسه مغفرة المشركين ولم يكن ذلك نفيا لقدرته على مغفرتهم .